العدد الحادي والأربعون
الإعلام والمنصات
لم تعد المنصّات الرقمية مجرّد قنوات للتواصل، بل أصبحت بُنًى تحتية رقمية تُنظّم الإنتاج الثقافي، والتبادل الاقتصادي، والحياة السياسية، وفي أنحاء المنطقة العربية، يظهر هذا التحوّل بوضوح في كيفية تداول الأخبار والمعلومات داخل منظومات كبيرة مثل Meta وغيرها؛ من ناحية قياس تفاعل المستخدمين واتجاهاتهم وتحويل ذلك إلى قيمة اقتصادية؛ وكيف يُنشئ صنّاع المحتوى والمؤثّرون مسارات عمل احترافية مبنية في الأساس على المنصّات، لذا، تتجسّد عملية التحوّل نحو المنصات بالنظر لآليات الحوكمة ونظام العمل في تلك المنصات، وكذا الثقافة المرتبطة ببُناها، بما في ذلك سحب وإدارة البيانات، والانتقاء الخوارزمي، وإدارة الانتباه.
وتجدر الإشارة إلى أن التحوّل نحو المنصات لم يَستبدل الفضاء العام العربي بقدر ما أعاد تركيبه ووسع حدوده، فقد كان الجدل العام تاريخيًّا متمركزًا حول مؤسسات الإعلام التقليدي، والنخب السياسية، وترتيبات العلاقة بين الدولة والسوق، لكنه بات اليوم يعمل على نحوٍ كثيف داخل فضاء شبكي مبني على المشاركة وإعادة تداول المعلومات، واستخدام الوسوم (الهاشتاج)، فضلًا عن وساطة المؤثّرين، وآليات حوكمة المنصّات؛ إذ يتشكّل الفضاء العام عبر مسارات مفتوحة وشبه خاصة في الوقت ذاته.
ويمكن لهذا الفضاء الشبكي أن يوسّع نطاق المشاركة ويُسرّع التعبئة عبر المنصات، لكنه في الوقت نفسه يتيح أشكالًا جديدة من الاستقطاب، والاعتداء، والتحرش، والتضليل، وتفاوت الفرص في الظهور بشكل غير معلن، وغالبًا ما ترتبط هذه الآليات بأنظمة حوكمة عالمية غير واضحة ومحلّ جدل داخل المنصّات الكبيرة، وفي سياقات اللغة العربية، تتقاطع هذه الديناميات مع تنوّع اللهجات، وسياسات الترجمة، وتفاوت قدرات الإشراف/إدارة المحتوى، وكذا ضغوط جيوسياسية تضع حدودًا لما يُقال وتؤثر في تداولية الأدلّة خلال لحظات الحروب والأزمات.
وبالنسبة إلى المنطقة العربية، لا يحدث التحوّل نحو المنصّات على أنه مجرد نقلٍ مباشر لما يسمى (رأسمالية المنصّات) في الغرب، بل يتشكل داخل ظروف عربية خاصة، يشمل ذلك اقتصادًا سياسيًا مختلفًا، وقوانين وتنظيمات خاصة، وبيئة لغوية معقدة، بما في ذلك تنوّع اللهجات، وكذلك تاريخ إعلامي له خصوصيته، وهذا كثيرًا ما يؤدي إلى فروق واضحة تتحكم فيمن يظهر أكثر، وكيف يُدار المحتوى، ومن يستطيع الوصول، وقد تؤدي سياسات المنصّات وإشرافها على المحتوى إلى نتائج غير عادلة للجماهير الناطقة بالعربية، خصوصًا في حالات الصراع، والاحتجاجات العامة، وقضايا النوع الاجتماعي.
وفي الوقت نفسه، فإن انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التي ترتّب المحتوى وتقترحه وتنتجه، يزيد المخاوف الدائمة من سرقة الانتباه، والتواصل الذي تحكمه الأرقام والمؤشرات، لكنه يتيح أيضًا إمكانات جديدة، مثل التحقق، والأتمتة، وإدارة تفاعل المستخدمين.
ويدعو هذا العدد الخاص الباحثين إلى تقديم أوراق علمية تجمع بين الشقيّن النظري والتحليلي؛ لتفسير كيف يغيّر التحوّل نحو المنصّات واقع الإعلام والمجتمع في العالم العربي، وكيف يمكن للحالات العربية أن تطوّر فهمنا عالميًا لقوة المنصّات وحوكمتها والعمل في بيئتها.
ويمكن للأوراق المقدَّمة أن تتناول (على سبيل المثال لا الحصر) الموضوعات المقترحة التالية:
الفضاء العام في عصر المنصّات والخطاب الشبكي:
- الرأي العام الشبكي والتعبئة الرقمية، وتحولات النفوذ والشرعية في الفضاء العام.
- منطق عمل المنصّات وتحولات التداولية الرقمية: منطق الانتشار، وخطاب الغضب، والفكاهة، والفضاء العام العاطفي.
- حدود العام والخاص: كيف تعيد المراسلات الخاصة (WhatsApp/Telegram) تشكيل "النقاش العام" والبُنى المُنتِجة للشائعات؟
تحوّل الترفيه والثقافة الشعبية عبر المنصّات:
- صناعات الترفيه المطورة بمنطق المنصات: الفيديو القصير، والبثّ المباشر، والألعاب، ومنظومات الموسيقى.
- ثقافة المشاهير/المؤثّرين واقتصادات الانتباه في السياقات العربية.
- اللغة واللهجات والخصوصية الثقافية في التوصية الخوارزمية للمحتوى.
- تحقيق الدخل والرعاية الإعلانية وسياسات الظهور والإتاحة لصنّاع المحتوى.
تحوّل النقاش السياسي في ضوء حوكمة المنصّات:
- الحديث السياسي في ظل حوكمة المنصّات: الإشراف على المحتوى، والحظر أو خفض الوصول دون إخطار، ووقف تحقيق الدخل، وإزالة المحتوى.
- الاتصال الانتخابي، والتسويق السياسي، وحملات التأثير المنسّقة.
- الاستقطاب، والتحرّش، وظهور (جماعات نقاش بديلة/موازية) على الإنترنت.
- البُنى التحتية للمنصّات وارتباطها بقدرة النظم السلطوية على التكيّف أو بديناميات الاحتجاج/المنازعة.
تحوّل القضايا الاجتماعية/الثقافية في البيئة الخوارزمية:
- معايير النوع الاجتماعي، والأسرة، وثقافات الشباب، والانضباط الأخلاقي عبر الفضاء الرقمي.
- الدين، والسرديات الطائفية، وسياسات الهوية داخل بيئات تُدار خوارزميًا.
- عموميات الشتات الشبكية والجدل الثقافي العابر للحدود.
- الحميمية الرقمية، وتقديم الذات وإدارة الانطباع، ومخاطر السمعة.
النشطاء والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني في مجتمع المنصّات:
- تواصل المنظمات غير الحكومية، وجمع التبرعات، والمناصرة في ظل قيود الظهور الخوارزمي.
- نشاط الهاشتاج والتعبئة الرقمية: الفرص والحدود.
- المنصات والسلامة، والمراقبة، وإدارة المخاطر للناشطين ومنظمات حقوق الإنسان.
- شراكات المنصّات مع المجتمع المدني، وإزالة المحتوى، وممارسات التوثيق وإثبات الانتهاكات.
الجيوسياسة وخطاب الحروب والأزمات عبر المنصّات:
- كيف تشكّل المنصّات تصورات الجمهور العربي تجاه الحروب والاحتلال، والصراعات الإقليمية؟
- حوكمة المنصّات وسياسات التدليل والإثبات عبر الصور، والبيانات الوصفية، ومعايير الأصالة، وآليات التحقق.
- التضليل والدعاية، والعمليات المعلوماتية العابرة للحدود.
- الإشراف ومراجعة المحتوى العربي في أثناء الصراع واختلال الفرص المبني على اللغة.
حوكمة المنصّات والإشراف على المحتوى وسياسات اللغة:
- تحديات اللهجات العربية في أنظمة الكشف الآلي: كيف تؤثر اللهجات في دقة أدوات المنصّات التي ترصد المحتوى؟ وما الذي ينتج عنها من أخطاء (حذف بالخطأ/ترك محتوى مخالف)؟
- آليات الاعتراض والإنفاذ والشفافية: كيف يمكن للمستخدمين الاعتراض على قرارات الحذف أو تقييد الوصول؟ وهل تُطبَّق سياسات المنصّات بشكل متّسق وعادل في السياقات العربية؟ وما مستوى الشفافية المتاح؟
- الحوكمة غير المرئية لمراجعة المحتوى: من يراجع المحتوى فعليًا؟ وكيف تُدار هذه الوظائف ضمن آليات الاقتصاد السياسي؟
الذكاء الاصطناعي والتالي بعد التحول نحو المنصات:
- الإقناع السياسي وإنتاج المحتوى عبر الذكاء الاصطناعي التوليدي.
- التزييف العميق، والمؤثرون الاصطناعيون، ومنازعات المصداقية.
- التحقق مقابل التلاعب بمساندة الذكاء الاصطناعي.
المنهجيات وتصميمات البحث:
- منهجيات نوعية رقمية: ملاحظة ومتابعة الممارسات داخل المنصّات (إثنوغرافيا رقمية)، ويوميات صنّاع المحتوى، وبحوث ميدانية مع منظمات المجتمع المدني، خصوصًا في سياقات تتطلب احتياطات أمنية عالية.
- تحليل الحوكمة والسياسات: تتبّع كيفية صناعة القواعد وتطبيقها داخل المنصّات (من يطبقها؟ وكيف؟)، وتحليل واجهات المنصّات وخصائصها، مع تحليل الوثائق والسياسات التنظيمية ذات الصلة.
- مقاربات وبيانات رقمية: تحليل شبكات التفاعل، والبيانات الناتجة عن الاستخدام، مع توضيح حدود هذه البيانات وما لا تستطيع قياسه بدقة.
- دراسات مقارنة بين منصّات متعددة: مقارنات منهجية بين منصات مختلفة لرصد الفروق في منطق الخوارزميات، وسياسات الإشراف، وفرص الوصول والانتشار.
قواعد تقديم الأبحاث:
على المشاركين الالتزام بأسلوب الكتابة الأكاديمية المقرر في دليل شيكاغو (Chicago Manual of Style)، على ألا تزيد المشاركة على عشرة آلاف كلمة؛ شاملة الحواشي السفلية والاستشهادات المرجعية، ويلزم إرسال كل المشاركات على هيئة ملفات بصيغة .doc أو .docx، على أن تحوي اسم المؤلف كما سيُنشَر، والمؤسسة التي ينتمي إليها، مع ملخص للبحث في حدود ١٥٠ كلمة باللغتين العربية والإنجليزية، وترسل المشاركات إلى الحساب البريدي الإلكتروني: editor@arabmediasociety.com
الموعد النهائي لتسلُّم المشاركات:
ينبغي تقديم جميع المشاركات البحثية في موعد غايته ١٥ أبريل ٢٠٢٦.
ولمزيد من المعلومات عن سياسات النشر لدينا، يرجى الاطلاع على "دليل الباحثين الراغبين في النشر" المتاح على الرابط التالي: https://l1nq.com/UpbkK، كما يمكنكم التواصل على هذا البريد الإلكتروني: editor@arabmediasociety.com في حال وجود أي استفسار أو لمزيد من المعلومات.
Arab Media & Society The Arab Media Hub